أبو رضى

الأحد,تموز 06, 2008


أتأسف لأن ملف لجنة تقصي الحقائق حول الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي الذي تعبنا كثيرا في معالجته، لم يراوح بعد مرحلة التحقيق التي دامت اليوم أكثر من ست سنوات، وهي مدة أعتقد أنها طويلة.

 نلاحظ أن طلب لجن تقصي الحقائق تهيمن عليه دائما، طبقا للقانون، الأغلبية، بينما تظل المعارضة محرومة من تشكيل مثل هذا النوع من اللجن، برأيكم كيف يمكن معالجة هذا الموضوع ؟

 الأمر في نظري لا يجب تناوله من هذه الزاوية، فكما تعلمون فلجن تقصي الحقائق هي آليات دستورية مخولة للبرلمان لمراقبة عمل الحكومة باعتبارها جهازا تنفيذيا، ويمكن لي أن أقول لكم أنها آليات رقابية قوية ويمكن أن تترتب عنها نتائج قد تؤدي في بعض الأحيان إلى إسقاط الحكومات.

الموضوع إذن دقيق، ولا يجب تناوله بالمنطق العددي للأغلبية والمعارضة الذي تطرقتم إليه. فلجن تقصي الحقائق تصبح ممثلة لجميع الفرق البرلمانية بمجرد توفر كل الشروط الشكلية الواجبة لتشكيلها، ويمكن لأعضائها أن يدلوا بوجهة نظرهم داخلها. فالعمل داخل هذه اللجن، وهذا ما وقفت عليه شخصيا، يكون جماعيا، والقرارات التي تتخذها يتم صياغتها من طرف الجميع بغض النظر عن موقعهم داخل الأغلبية أو المعارضة.

وإذا كنتم تقصدون دواعي  اشتراط الدستور لتوقيع أغلبية أعضاء مجلس معين عند تشكيل هذه اللجن، فيمكن لي أن أقول أن شرط النصاب الذي حدده الفصل 42 من الدستور، شرط يبدو لي معقولا ومنسجما مع متطلبات حياة دستورية طبيعية وسليمة من المزايدات التي قد يسعى البعض إليها لاعتبارات سياسية أو حزبية. وأعتقد أن المنطق الديمقراطي يعتمد على مفهوم الأغلبية في جميع القرارات التي يتخذها البرلمان ومنها تشكيل هذه اللجن، وهذا أساسي في الاستقرار المؤسساتي بعيدا عن الصراعات التي قد تنشأ بسبب تشكيل هذه اللجن أو غيرها.

 قد اتفق معك حول إعادة النظر في شروط تشكيل هذه اللجن ومراجعة القانون التنظيمي في اتجاه ضمان مزيد من الحقوق للمعارضة ومزيد من النجاعة الرقابية شريطة أن لا يؤثر ذلك على الاستقرار والتوازن بين المؤسستين التشريعية والتنفيذية، ويمكن مثلا الاكتفاء بثلث التوقيعات فقط عند طلب تشكيل اللجن البرلمانية لتقصي الحقائق، وربط المصادقة على هذا الطلب بالأغلبية المطلقة لأعضاء المجلس الذي يرغب في تشكيلها، وهذا يمكن أن يساهم في إنعاش النقاش السياسي في البلد حتى وإن لم يحض هذا الطلب بالمصادقة النهائية.

والعمل البرلماني متعدد الجوانب وعلى كل الفاعلين داخل المؤسسة البرلمانية أن يعملوا على استثمار أمثل لكل الآليات الرقابية الأخرى المخولة للبرلمان، وخصوصا الأسئلة الكتابية والشفوية وعمل اللجان الدائمة...

 خلال عملكم في إطار لجنة تقصي الحقائق حول الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، ما هي الإكراهات التي واجهتموها سواء المتعلقة بظروف الاشتغال أوالحصول على الوثائق ؟

 لابد أن أقف في البداية عند أهمية اللجنة البرلمانية لتقصي الحقائق التي شكلها مجلس المستشارين حول وضعية الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي.

فكما تعلمون، فقد تمت دسترة هذه اللجن بحكم دستور 1992، وهو التعديل الذي تلاه تعديل دستوري آخر سنة 1996 وتم وفقه إحداث مجلس المستشارين. وما ميز العمل الذي قمنا به في لجنة التقصي الحقائق حول الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، هو أنه استثمار مؤسسة دستورية جديدة، وهي مجلس المستشارين، لآلية رقابية دستورية جديدة، وهي لجن تقصي الحقائق، وقد كانت غايتنا هي أولا القيام بواجبنا كممثلين للأمة، وممارسة حقنا الدستوري في المراقبة، وأيضا إضفاء بعض الإشعاع للمجلس الذي كنا ننتمي إليه.

ويمكن لي أن أقول لكم أننا اشتغلنا في ظروف عادية، وتمكننا من الاستماع إلى كل المسؤولين الذين رأت اللجنة أهمية في الاستماع إليهم، وقد واجهتنا أيضا بعض الصعوبات التي أعتبرها طبيعية في مثل هذه الأعمال بحكم تشابك عناصر الملف الذي كنا نشتغل عليه، وكذا بسبب دقة المعلومات التي كنا نبحث عنها، وتمكنا بفضل تظافر جهود كل المنتسبين إلى اللجنة من الوقوف على مجموعة من الحقائق التي ضمناها في تقرير وصفه الكثيرون بأنه ممتاز، وأنه يوثق فعلا لمرحلة من تاريخ التدبير السيئ للصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، وهو التقرير الذي عرضناه على مجلس المستشارين نهاية ماي 2002 واطلع عليه الرأي العام، وأحاله المجلس على الحكومة التي قررت بدورها إحالته على القضاء. والملف الآن بين يدي قاضي التحقيق.

  إلى أي حد  تتمتع لجن تقصي الحقائق بمتابعة تقاريرها التي صاغتها، بمعنى التدخل في إحالتها على العدالة، ودورها في حالة المتابعة القضائية ؟

 إن عمل اللجن البرلمانية لتقصي الحقائق محكوم بمنطوق الدستور وبمقتضيات القانون التنظيمي المتعلق بهذه اللجن، وهو القانون الذي صدر سنة 1995 وتم تعديله سنة 2000 وهو التعديل الذي أعتبره مهما جدا بالنظر للنواقص الكثيرة المسجلة في القانون السابق، كما أنه محكوم أيضا بفصول محددة من النظامين الداخليين لمجلسي البرلمان. وهذا يعني أن عملنا مقيد بشكل دقيق بهذه النصوص، ولا يمكن لنا تجاوزها. ومهمة اللجنة تنتهي بمجرد تسليم التقرير للمجلس المعني بالبرلمان، أما المتابعة فهي من شأن الحكومة عبر وزير العدل الذي بإمكانه تحريك الدعوى القضائية بوصفه رئيسا للنيابة العامة، وهذا ما حدث بخصوص لجنة تقصي الحقائق حول الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي. فقد أنهينا عملنا داخل أجل ستة أشهر التي يحددها القانون، وقمنا بإيداع التقرير الذي أعددناه حول وضعية الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي لدى رئاسة مجلس المستشارين، ونوقش كما تعلمون في جلسة عامة تاريخية. وقد أحيل التقرير على السيد الوزير الأول أنذاك الذي أحاله بدوره على القضاء.

غير أن ذلك لا يعني عدم تتبعنا للملف في مرحلة خروجه من البرلمان، نحن نحترم طبعا استقلالية القضاء، لكننا بحكم معرفتنا الدقيقة بالملف، نبادر دائما باستفسار الحكومة حول هذا الموضوع من خلال الأسئلة الشفوية والكتابية ومن خلال عمل اللجن الدائمة، وأتأسف اليوم  لأن الملف الذي تعبنا كثيرا في معالجته، لم يراوح بعد مرحلة التحقيق التي دامت اليوم أكثر من ست سنوات، وهي مدة أعتقد أنها طويلة.

  كرئيس للجنة تقصي الحقائق، ما هي الاقتراحات لتفعيل هذه اللجن ؟

 إنها كثيرة، لكن أهمها هو إعطاء المصداقية للعمل الذي يقوم به البرلمان في هذا الباب، فلا يمكن أن تسخر العديد من الجهود والإمكانيات المادية والبشرية في عمل برلماني كالذي قمنا به بالنسبة لوضعية الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، ليكون مآلها هو ركن في رف من رفوف إدارة أو محكمة.

وبالعودة إلى التقرير الذي أنجزناه في قضية الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، والذي لم يتجاوز بعد مرحلة التحقيق القضائي كما قلت، أرى من الضروري اليوم فتح نقاش وطني حول أهمية هذه التقارير إن كانت لا تفعل توصياتها وترتيب الجزاء الإداري أو القضائي عنها، وعن الخروقات التي تتضمنها.

ثم إن الخطير في المسألة هو عدم إلزام جهة معينة بالأخذ بكل ما تستنتجه لجان تقصي الحقائق البرلمانية، وقد تلجأ هذه الجهات إلى بدء البحث والتقصي من جديد. وهذا في نظري، لا معنى له، لأن الذين أعدوا التقرير البرلماني هم ممثلون للأمة، وهم مسؤولون أمامها ولا يمكنهم إلا أن يلتزموا الموضوعية والجدية في عملهم في التقصي والبحث.

الجانب الآخر الذي أود أن أتطرق إليه، هو حسم الدستور في مسألة إنهاء مهمة كل لجنة لتقصي الحقائق سبق تكوينها فور فتح تحقيق قضائي في الوقائع التي اقتضت تشكيلها، وهذه نقطة  في نظر الكثيرين تقوي موقف الحكومة اتجاه البرلمان، ولا أرى منطقيا أن تقبر مبادرة طالب بتشكيلها أغلبية مجلس برلماني معين بمجرد فتح تحقيق قضائي في الموضوع، أفلا يمكن أن يكون ذلك مجرد آلية دستورية لسحب البساط من تحت أرجل البرلمان ؟.

وهناك نقطة أخرى تتعلق بمبرر تحديد مدة عمل اللجنة في ستة أشهر، وإلا اعتبر تشكيلها لاغيا، وأنا أرى ضروريا الإبقاء على هذه المدة مع التنصيص على إمكانية تمديدها خصوصا في الحالات التي تقتضي فيها الضرورة مزيدا من البحث والتقصي في موضوع دقيق ومتشابك كالذي حققنا فيه.

غير أن أهم شيء في نظري، وهذا بحكم التجربة، هو ضرورة توفير كل الوسائل المادية والبشرية للجن تقصي الحقائق، وفتح اعتمادات مالية لها بمجرد تشكيلها، إذ لا يعقل أن يضطر رئيس هذه اللجنة للوقوف كل صباح أمام مكتب رئيس المجلس الذي يشكلها لطلب الـتأشير على طلب استعمال سيارة أو تنقل أو التوقيع على أمر بصرف، وهذا ما وقع لنا، فقد صادفنا صعوبات في التنقلات خصوصا خارج أرض الوطن للتحقق من بعض الوقائع ذات الصلة بعملنا، ولم نتمكن من ذلك بسبب قلة الاعتمادات وعوائق أخرى ذات طبيعة إدارية وقانونية. أعتقد أن هذا يعيق كثيرا عمل هذه اللجن ويحد من فعاليتها، كما انه لا يحفز أعضاءها على الاجتهاد، مما يقتضي تدليل هذه الصعاب بمراجعة القانون التنظيمي والتنصيص على مزيد من الصلاحيات.

 يلاحظ أن عمل لجن التقصي تظل حبيسة البرلمان وبعض النخب، بينما يظل الرأي العام الوطني بعيدا عن المواكبة من أجل ممارسة نوع من الضغط لفائدة عمل اللجن، كيف يمكن تجاوز هذه المقاربة ؟

إنه مطلب ذو حدين، الحد الأول، وأراه  ايجابيا كما تطرقتم إليه هو ممارسة نوع من الضغط لفائدة اللجنة، أما الحد الثاني فيمكن أن يكون ضدها، إذ يمكن أن تدخل أطراف أخرى أثناء البحث والتقصي قد تسيء للجنة، وقد تفسد عليها استقلاليتها والموضوعية الواجبة في عملها.

وعلى العموم فأنا متفق معك، لأن فتح المجال أمام الرأي العام لتتبع عمل هذه اللجن لن يكون إلا مفيدا بالنظر لأهمية تفاعل المؤسسة البرلمانية مع المواطنين. ولابد أن أسجل بهذا الخصوص أن الصحافة الوطنية واكبت بجدية واهتمام كبير عملنا طيلة عمر اللجنة مما ساعدنا كثيرا وشجعنا على مزيد من الجهد والاجتهاد والحرص على الجدية والمصداقية، وكان علينا أن نكون في مستوى انتظارات الصحافة والرأي العام الوطني، وأعتقد أننا نجحنا في هذا الرهان وهو ما عبر عنه الترحيب الكبير بالتقرير الذي أنجزناه والذي حرصنا على توزيع نصه الكامل على الصحافة يوم تقديمه للمجلس.